الطلبات العارضة وتأثيرها على سير الدعوى

                  

الطلبات العارضة وتأثيرها على سير الدعوى

الطلبات العارضة وتأثيرها على سير الدعوى

مقدمة :

  إذا كانت الدعوى تلعب دورا فعالا في حماية حقوق المتقاضين[1] فإن ذلك رهين بوجود قواعد مسطرية وإجرائية توحد العمل داخل المحاكم وتسهر على الضبط والنظام وتحرك القوانين الموضوعية لتضعها بين يدي العدالة ، وهكذا أصبحت الدعوى تعتبر وسيلة قانونية فعالة لحماية الحقوق عن طريق المطالبة القضائية ، وانطلاقا من هذه المطالبة القضائية يحدد نطاق النزاع الذي يجب أن يبقى ثابتا -مبدأ ثبات النزاع-، فلا يمكن تغيير نطاقه بمجرد رفعه إلى القضاء بل لابد من الحفاظ على الإطار الذي قدم به دون إضافة أو نقصان ،وهذا ما يفرض عدم السماح بتقديم طلبات جديدة سواء من جانب الأطراف أو القاضي[2] .

 ولكن مع التطور الذي عرفته قواعد المسطرة المدنية وخاصة في الآونة الأخيرة ظهرت إلى الوجود نظرية الطلبات العارضة ، وتكمن أسباب ظهور هذه النظرية إلى العوامل التي أدت إلى تراجع مبدأ ثبات النزاع ، وأصبح عرض الدعوى أمام القضاء يستوجب إدخال مجموعة من الفاعلين ذوي النزاعات المرتبطة بالنزاع الأصلي ، كما أن التفكير بدأ يتجه لإيجاد توازن إجرائي داخل إطار الدعوى الأصلية ، بمعنى السماح للمدعي بتعديل طلباته وفق ظروفه التي قد تستجد ، وفي نفس الوقت إعطاء المدعى عليه فرصة تقديم طلبات مضادة حفاظا على حقوقه حتى يكون الحكم الصادر في النزاع برمته عنوانا للحقيقة القضائية .

وهكذا فقد لعبت فكرة التوازن الإجرائي دورا كبيرا في بروز نظرية الطلبات العارضة، فإذا كان للمدعي صاحب الطلب الأصلي أن يجري تعديلات وتغييرات عليه بوسيلة الدعوى الفرعية بما يتلاءم مع جميع المتغيرات القانونية التي طرأت أو يمكن أن تطرأ في الخصومة ،ويخرجه من جموده وثباته إلى مده ومرونته سلبا وإيجابا، فإن حقوق الدفاع[3] تقتضي منح المدعى عليه ذات الوسيلة الفعالة في إبداء دعاوى فرعية ردا على الدعوى الأصلية للمدعي .

وتظهر أهمية الطلبات العارضة في كونها تؤثر مباشرة على الدعوى الأصلية وتحقق معالجة إجرائية لها حيث أن المدعي يمكن أن يقع في خطأ ويتداركه بإصلاحه، كما قد تتبين له ظروف لم تكن معروفة لديه من قبل فيحاول إضافتها دون رفع دعوى أخرى مستقلة تؤدي إلى إرهاق القضاء والأطراف ، ومن ناحية ثانية تخول للمدعى عليه فرصة تقديم طلبات مقابلة بدلا من الاقتصار على الدفوع سواء أكانت شكلية أو موضوعية أو بعدم القبول.

 و من هذا المنطلق يمكن طرح الإشكالية التالية إلى أي حد تؤثر الطلبات العارضة على سير الدعوى المدنية ؟

  وتتفرع عن هذه الإشكالية المركزية مجموعة من التساؤلات الفرعية يمكن طرحها على الشكل الآتي:

  •         كيف نظم المشرع المغربي الطلبات العارضة، وكيف يتعامل القضاء مع هذا النوع من الطلبات؟
  •       وما هي أهم الإشكالات العملية التي تطرحها هذه الطلبات، وكيف تؤثر على سير الدعوى المدنية ؟

 ولتسهيل عملية دراسة البحث للوصول إلى الحلول المناسبة للإشكال المطروح ارتأينا اختيار مناهج البحث العلمي التالية:     المنهج القانوني وذلك من خلال الوقوف على النصوص القانونية التي تؤطر الطلبات العارضة ، ثم المنهج  التحليلي من أجل  تحليل بعض الاجتهادات القضائية  .

 وعلى اعتبار أن طلبات العارضة تؤثر على سير الدعوى المدنية ، فإننا من خلال هذه الدراسة سنتوقف على تحديد مظاهر تأثير هذه الطلبات على سير الدعوى المدنية.

  • المبحث الأول : القواعد العامة للطلبات العارضة
  • المبحث الثاني : الإشكالات العملية للطلبات العارضة وتأثيرها على سير الدعوى

المبحث الأول : القواعد العامة للطلبات العارضة

الأصل أن نطاق القضية يتحدد بالمطالبة القضائية[4]،التي تبدأ بها الخصومة ويسمى ذلك بالطلب الأصلي ، فينظر إلى عناصر الدعوى التي يتضمنها هذا الطلب -أي أشخاص الدعوى ومحلها وسببها-، وتدور الخصومة حول حدود هذه العناصر دون تغييرها [5] كما لا يسوغ للقاضي أن يبت خارج حدود هذه الطلبات ، أو يغير موضوعها أو سببه[6]. ومن هنا يبدو أن المشرع حرص على أن تكون للمدعى عليه والغير، صورة واضحة عن النزاع حتى يتمكن من ترتيب وسائل دفاعه على نحو جيد.

  ومع التسليم بهذه المعطيات يحق لنا أن نتساءل حول مدى إمكانية تغيير نطاق الدعوى؟[7] فمن البديهي أنه إذا كان ثبات النزاع يحقق سرعة الفصل في الدعوى ويجنب عنصر المفاجأة للخصم بطلبات جديدة، فإنه قد تظهر للمدعي ظروف لم تكن معروفة لديه من قبل تدفعه إلى إصلاح مقاله الافتتاحي أو تغيير موضوعه أو سببه أو الإضافة إليه حفاظا على حقوقه، كما أن إجبار المدعى عليه على التزام موقف الدفاع لمن شأنه أن يعرض حقوقه للضياع.

   وبناء على ذلك فإننا سنعالج من خلال هذه المبحث طلبات المدعي والمدعى عليه في (المطلب الأول)، على أن نناقش في (المطلب الثاني) طلبات التدخل والإدخال.

المطلب الأول : طلبات المدعي والمدعى عليه

        قد تستجد بعد افتتاح الدعوى من طرف المدعي بطلباته الأصلية ظروف ومعطيات ترتبط بالنزاع الأصلي فيكون من الأفضل طرحها على القضاء بطلبات إضافية بدلا من رفع دعاوى أصلية مستقلة بها (الفقرة الأولى) ، كما أن المدعى عليه قد تكون له كذلك معطيات لصيقة بالدعوى الأصلية المرفوعة ضده وتؤثر مباشرة عليها فيحاول التقدم بطلبات تجاه المدعي الأصلي للإفلات من الحكم عليه وهو ما يسمى بالطلبات المقابلة أو المضادة ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى: طلبات المدعي العارضة

     بعد أن يرفع المدعي طلبه الأصلي الذي يؤدي إلى ميلاد الخصومة وذلك لإعلان صحيفة الدعوى إعلانا صحيحا إلى المدعى عليه، فإنه قد تظهر الحاجة إلى إجراء إضافي أو تفسير أو تعديل أو تنازل في أي عنصر من عناصر الإدعاء الكامن في هذا الطلب الأصلي[8]، لهذا فإن المشرع سمح وعلى وجه الاستثناء بتقديم طلبات إضافية لمجابهة ظروف قد تطرأ بعد تقديم الطلب الأصلي .

    ويمكن تعريف الطلبات الإضافية[9] بأنها تلك الطلبات التي يقدمها المدعي ويكون الهدف منها إدخال تعديل على الطلب الأصلي بالزيادة أو النقصان ، وهذا يعني أن الطلبات الإضافية تقدم بعد تقديم الطلب الأصلي بغية تعديل نطاق الخصومة من حيث الموضوع أو المحل أو السبب ، والظاهر أن قانون المسطرة المدنية لم يتضمن أي نص قانوني يشير إلى إمكانية للمدعي لتعديل طلبه الأصلي بالزيادة فيه أو النقصان منه ، تاركا هذا الأمر للاجتهاد الفقهي والقضائي ،وذلك خلافا للمشرع المصري مثلا الذي حصر الحالات التي يجوز فيها للمدعي تعديل طلبه الأصلي  في المادة 124[10] من قانون الإجراءات المصري ويشترط في الطلب الإضافي بصورة عامة أن يكون متعلقا بنفس النزاع وأن يتقدم به بنفس الشخص وبذات الصفة كما يتعين أن  تؤدى عنه الرسوم القضائية علاوة على تقديمه أمام المحكمة إبان جريان المسطرة وإلى حين إقفال باب المرافعة واعتبار القضية جاهزة للحكم فيها[11].

ومن بين الحالات التي يمكن فيها تقديم الطلب الإضافي نجد:

*         الحالة الأولى: حالة كون الطلب الإضافي الذي يهدف لتصحيح الطلب الأصلي أو تعديل موضوعه لظروف طرأت بعد رفع الدعوى، فقد يتبين للمدعى عليه بعد رفع الدعوى أنه أخطأ في تحديد طلبه الأصلي فيلجأ هذا الأخير إلى تعديل طلبه فيما يخص المقدار وذلك إما بالزيادة فيه أو النقصان منه حسب ما تمليه معطيات الظروف الجديدة أو المستجدة، ومن صور ذلك كما لو رفع المدعي طلبا أصليا يطالب فيه بالتعويض عن حادثة سير تعرض لها، ثم يعدل طلبه بزيادة مبلغ التعويض المطالب به  كلما تفاقم الضرر .

*        الحالة الثانية: حالة كون الطلب الإضافي مكملا للطلب الأصلي أو مترتب عليه أو متصلا به اتصالا لا يقبل التجزئة، وسنوضح هذه الحالة من خلال هاتين الصورتين:

–     إذا كان الطلب الإضافي مكملا للطلب الأصلي: مثال على ذلك أن يكون الطلب الأصلي يرمي إلى المطالبة بدين معين، يجوز للمدعي في هذه الحالة أن يقدم طلبا إضافيا للمطالبة بالفوائد.

–   الطلب الإضافي المترتب عن الطلب الأصلي: ومثال ذلك أن يقدم المدعي طلبا إضافيا يهدف من خلاله تحميل المدعى عليه للرسوم والمصاريف القضائية.

    وكخلاصة لما سبق فإن الطلبات الإضافية بدورها تشكل حماية للمتقاضين وذلك عن طريق السماح لهم بإمكانية الزيادة أو النقصان أو التعديل في طلباتهم، إضافة إلى توفير الوقت عكس لو رفعت الدعوى من جديد.

     وموضوع الطلبات الإضافية يطرح العديد من الإشكالات والتي تختلف باختلاف موضوعها مما يؤثر على سير الدعوى وهذا ما سنوضحه في المبحث الثاني .

الفقرة الثانية: طلبات المدعى عليه العارضة

      الطلبات المقابلة أو المضادة هي تلك التي يتقدم بها المدعى عليه الأصلي بهدف الحصول على حكم لصالحه، فاستعمال هذه الوسيلة هو بمثابة تعبير من المدعى عليه عن نيته في عدم الاكتفاء بالدفاع عن نفسه من خلال دحض ادعاءات خصمه، ويتحول المدعى عليه الذي تقدم بطلب مقابل بشكل نسبي إلى مدعي كما يتحول المدعى الأصلي إلى مدعى عليه[12].

     وتتميز الطلبات المقابلة بطبيعة قانونية مركبة ومختلطة، إذ تبدو في نفس الوقت مزيجا من دفاع وهجوم ، لهذا عبر الأستاذان (جيرارد كورني وجين فاير) بأنها وسيلة دفاع هجومية défenses agressives) ، مما يطرح مسألة تحديد الطبيعة القانونية للطلبات العارضة ، فقد تطرح الطلبات المقابلة إما لإزاحة الطلب الأصلي الموجه ضده بتصديه للموضوع، فهو بذلك يشبه الدفوع الموضوعية ،وإما أن يتخذ صفة الهجوم من أجل الحصول حسب تعبير تقليدي لمحكمة النقض الفرنسية على مزية مستقلة عن مجرد عدم الحكم للمدعي بطلبه[13].

    وإذا كان المشرع المغربي أغفل تنظيم الحالات التي يمكن فيها للمدعى عليه اللجوء إلى الطلبات المقابلة، على غرار إغفاله التعرض لحالة الطلبات الإضافية وهو ما تمت الإشارة إليه في الفقرة الأولى، فإن تشريعات أخرى تعرضت لذلك بشكل صريح كما هو الشأن بالنسبة لقانون الإجراءات المدنية الإماراتي في المادة 99 منه [14].

     ومتى منح للمدعى عليه إمكانية تقديم طلبات مقابلة فإن هذه الإمكانية تظهر على عدة مستويات، إما أن يكون هدف المدعى عليه من وراء طلبه المقابل تجنب الحكم عليه بما يدعيه  المدعي، أو أن يأخذ الطلب المقابل مظهر الطلب المستقل وذلك عندما يكون الهدف من الطلب الحصول على امتياز مستقل[15].

    وتختلف الطلبات المقابلة عن الدفوع وعلى وجه الخصوص الدفوع الموضوعية فهذه الأخيرة تهدف فقط إلى التصريح برفض طلب المدعي، أما الطلبات المقابلة فتلعب دورا مزدوجا، فإلى جانب كونها وسيلة دفاع فهي تهدف أيضا إلى تمكين المدعى عليه من الحصول على حماية حق أو تقرير وجوده[16].

   وجدير بالإشارة على أن الطلبات المقابلة تخضع من حيث الشكل لنفس الشروط التي تخضع لها الطلبات الإضافية، كما أنه يمكن للمحكمة في حالة ما إذا تبين لها أن اللجوء إلى استعمال تلك الطلبات كان يهدف إلى استدراج المدعي للتقاضي خارج دائرة المحكمة المختصة ترابيا للبت في الطلب المقابل أن تأمر استنادا على مقتضيات الفصل 30 من ق.م.م بإحالة المدعى عليه على من له النظر[17].

    خلاصة القول أن عدم تعرض المشرع المغربي لحالات الطلبات المقابلة أو الجوابية بنص صريح فإنه يبدوا جليا أن غايته ترك الأمر للسلطة التقديرية للقضاء .

المطلب الثاني : طلبات التدخل والإدخال

         كان لمبدأ ثبات النزاع أهمية كبيرة نظرا لحفاظه على الصورة الأولى لنطاق الدعوى ، وتكريسه لحقوق الدفاع فكان أطرافها في مأمن من عنصر المفاجأة بطلبات جديدة لم تكن مطروحة من قبل، لكن بتطور العلاقات بين الأفراد والمجتمع وكذا تشعب المعاملات فيما بينهم بدأت تطرح إشكالية مدى فعالية مبدأ ثبات الدعوى في تحقيق حماية قضائية مواكبة مع هذه التطورات ؟

             فالأخذ بالمفهوم الجامد للدعوى يؤدي إلى تعدد الدعاوى وإضاعة الكثير من الوقت والإجراءات والنفقات كما أن حيازة الحكم لقوة الشيء المقضي به لا يجعله عنوانا للحقيقة، فتنفيذه يمكن أن يمس بحقوق الغير فيما إذا كان هذا الأخير يملك موضوع الحكم بمقتضى سند يختلف عن السند الذي ارتكز عليه أطراف الحكم، فيكون من العدل السماح له أثناء سريان الدعوى بالتدخل فيها للحفاظ على حقوقه من الانتظار حتى صدور الحكم للطعن فيه بتعرض الغير خارج عن الخصومة[18] .

   وانطلاقا مما سبق فإننا سنعالج هذا المطلب في فقرتين نتطرق في (الفقرة الأولى) إلى التدخل  في الدعوى على أساس أن نناقش في (الفقرة الثانية) طلبات إدخال الغير في الدعوى.

 الفقرة الأولى: التدخل في الدعوى  

            تقتصر الدعوى عادة بين طرفي الخصومة وهما المدعي والمدعى عليه، ويقتصر أثر الحكم الذي يصدر فيها على أطراف الدعوى دون أن يكون له مساس بالغير إذ ليس من العدل أن يتضرر هذا الأخير نتيجة عمل لم يكن له دخل فيه[19]. وبالرجوع للمادة 111[20] من ق.م.م نجد بأن المشرع المغربي خول لكل من له مصلحة في نزاع معروض على القضاء أن يتدخل في هذا النزاع لكي يدافع عن حقوقه ومصالحه التي يمكن أن تتأثر من جراء صدور حكم لم يكن طرفا فيه[21].

    فالتدخل في الدعوى هو أن يطلب شخص ليس طرفا في النزاع دخوله في دعوى قائمة إما تدخلا انضماما أو هجومي، بقصد المحافظة على حقوقه التي يمكن أن تتأثر من الحكم الذي سيصدر فيها .

    ولذلك نجد الفقه يميز بين نوعين من التدخل ، الأول يسمى بالتدخل الانضمامي أو التحفظي أو التبعي في حين يسمى الثاني بالتدخل الهجومي أو الأصلي الأمر الذي يقتضي منا تحديد المقصود بهما تباعا:

أولا : التدخل الانضمامي أو التبعي

            هو التدخل الذي يكتفي فيه الغير بالانضمام إلى أحد أطراف الدعوى ، من أجل مساعدته في الدفاع عن طلباته وذلك بهدف صدور الحكم لمصلحة المتدخل إلى جانبه أو على الأقل من أجل تجنب صدور الحكم لصالح الطرف الآخر[22] ، ومن الأمثلة على ذلك كأن يتدخل بائع عقار لمساندة مشتري هذا العقار الذي طالبه جاره بحق ارتفاق مرور على العقار المبيع أو تدخل دائني المتقاسم المعسر في دعوى القسمة لمؤازرة مدينهم.

ثانيا : التدخل الهجومي

      والذي يسمى أيضا بالتدخل الأصلي وهو الذي يتدخل من خلاله الغير في الدعوى ، من أجل طلب الحكم لنفسه بذات الحق المتنازع بشأنه أو بجزء منه أو بطلب مستقل عن الطلب الأصلي ولكنه مرتبط به[23] ، ومن أمثلة ذلك كما لو تنازع طرفان على ملكية عقار بملكية شخص ثالث أو له عليه حق ارتفاق أو انتفاع فيتدخل هذا الشخص للمطالبة بملكية العقار موضوع النزاع ، أو تقرير حقه العيني عليه [24].

    ويتوقف قبول طلبات التدخل بصفة عامة على ضرورة استجابة المتدخل لكافة الشروط الضرورية لرفع الدعوى المنصوص عليها في الفصل الأول[25] من ق.م.م ، كما أن توفر عنصر الارتباط ما بين  الطلب الذي تقدم به المتدخل والطلب الأصلي الذي تقدم به المدعي يعد ضروريا، إلا أن الملاحظة التي يمكن تسجيلها هي أن المشرع المغربي لم ينص في قانون المسطرة المدنية على هذا الشرط ، ولكن هذا لا يعني استبعاده مادام أن ذلك يعتبر من المتطلبات التي تقتضيها المبادئ العامة وبدون حاجة إلى نص قانوني صريح ، وهو الأمر الذي أكد عليه القضاء المغربي حينما رفض التدخل في الدعوى ، الذي لا يكون انضماميا لعدم مساندة تدخل المطلوبين في المرحلة الاستئنافية لأي طرف فيها يدعيه ولا هجوميا لعدم ادعائهم عين المتنازع عليه بين الطرفين الأصليين معتبرا إياه بمثابة طلب جديد في المرحلة الاستئنافية وبالتالي عدم إجازته، يضاف إلى ذلك أنه يتعين أن لا يترتب عن التدخل الأصلي تأخير البت  في الدعوى.

    ومن جهة أخرى فإن قبول طلبات التدخل الانضمامية لا يتوقف على ضرورة توفر نفس الشروط كما أن هذه المسألة لا تطرح بنفس الحدة من الناحية العملية، فهذه الطلبات وعلى الرغم من صدورها عن شخص من الغير إلا أنها لا تؤدي إلى تعديل مجال النزاع، غير أنه يشترط مع ذلك ضرورة توفر المدخل على مصلحة في النزاع، وتكمن هذه المصلحة في أن يكون التدخل في الدعوى ضروريا لتمكين المتدخل من الدفاع عن حقوقه وتجنب الإضرار بها.

الفقرة الثانية: الإدخال في الدعوى

        أدى انتكاص مبدأ ثبات النزاع إلى منح الأطراف سلطة واسعة لإدخال الغير في الدعوى وذلك قصد توسيع نطاقها الشخصي، وهذا ما يسمى باختصام الغير أو بالتدخل الجبري.

   ومن العيوب التي وجهت لهذا النظام أنه يجبر الشخص على الدخول في خصومة في وقت غير مناسب له، فقد يرى إرجاء دعواه حتى يستكمل أدلته، فضلا على أن التشريعات التي تخول للمحكمة اختصام الغير فيه مساس بمبدأ حياد القاضي إذ لا يصح أن يكون هذا الأخير مدعيا .

   غير أن هذه الانتقادات لم تحل دون تقرير هذا النظام استنادا إلى الفائدة من جعل الحكم الذي يصدر في الدعوى حجة على الشخص الذي اختصم فيها ، فيمنع عليه تحديد عناصر النزاع فيما تم الفصل فيه، الأمر الذي يترتب عليه تجنب تكرار المنازعات وتناقض الأحكام[26] .

      ويعتبر إدخال الغير في الدعوى مظهرا من مظاهر مرونة الدعوى المدنية ويطلق على هذه الصورة من التعدد الطارئ للدعوى اصطلاح الإدخال والتدخل الجبري، وذلك بالمقابلة بالتدخل الإختياري  الذي يحصل بناء على إرادة المتدخل، وإدخال الغير في الدعوى أو ما يصطلح عليه باختصام الغير هو تكليف شخص خارج عن الخصومة بالدخول فيها ، وبعبارة أخرى هو طلب يبدى بصفة عارضة لدعوى قائمة ويوجه إلى الغير لإدخاله في هذه الدعوى .

ونشير في آخر هذه الفقرة أن الإدخال يمكن تصوره في ثلاثة حالات وهي :

v     إمكانية ادخال المدعي للغير في الدعوى بهدف أن يحكم له على  المدعى عليه والمتدخل معا بموضوع طلبه الأصلي، كما هو الشأن بالنسبة للدائن الذي يقيم دعوى على أحد مدينيه المتضامنين في الطلب الأصلي ، ثم يتبين له  في ما بعد وأثناء سير الدعوى ادخال مدين متضامن آخر بغية استصدر حكم قضائي على المدينين المتضامنين معا يلزمهم بأداء الدين .

v     إمكانية إدخال المدعى عليه للغير في الدعوى بصفته ضامنا كما هو الشأن بالنسبة للمشتري المتضرر من البضاعة الذي اشتراها من البائع، حيث إنه بعدما رفع الدعوى ضد هذا البائع مطالبا إياه بالتعويض على الأضرار اللاحقة به ، ويأتي المدعى عليه ليطلب ادخال بائعه هو في الدعوى باعتباره ضامنا وهذا ما يسمى بإدخال ضامن .

v     وعلى غرار الصور السابقة فإنه قد يكون الغرض من إدخال الغير في الدعوى بصفته ضامنا، وهذه الصورة الأخيرة هي التي تعرض لها المشرع في الفصل 103 من ق.م.م [27]، وهو نفس الاتجاه الذي سار عليه المشرع المصري بحيث جاء في الفصل 119 من قانون المرافعات المصري على أنه يجب على المحكمة في المواد المدنية إجابة الخصم إلى طلب تأجيله الدعوى لإدخاله ضامن فيها وهذا على خلاف المشرع الفرنسي الذي نص على الصور الثلاثة في المادة 331 من القانون المدني الفرنسي[28].

v     إمكانية إدخال المتدخل في الدعوى للغير كطرف فيها، وتتم هذه الحالة حينما يطلب الضامن المدخل في الدعوى إدخال ضامن له وهو ما يسمى بإدخال ضامن للضامن أو إدخال فرعي للضامن كما أشار إلى ذلك الفصل 104 من ق.م.م الذي نص على أنه ” تطبق نفس المقتضيات عندما يدخل الضامن شخصا آخر بصفته ضامنا فرعيا”.

            خلاصة القول يمكن تدخل الشخص في الدعوى إما انضماميا أو هجوميا ، كما يمكن لأطرف الدعوى إدخال الغير في الدعوى كلما تبين لهم مصلحة في ذلك قبل وضع القضية في المداولة كقاعدة.

المبحث الثاني : الإشكالات العملية للطلبات العارضة و تأثيرها على سير الدعوى

الطلبات العارضة وتأثيرها على سير الدعوى الطلبات العارضة وتأثيرها على سير الدعوى الطلبات العارضة وتأثيرها على سير الدعوى الطلبات العارضة وتأثيرها على سير الدعوى الطلبات العارضة وتأثيرها على سير الدعوى

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق